-كتبها د. صبحي الحداد
-منقول عن صحيفة المدينة
-مجلة إنترناشيونال ميديا ريفيو
… أثار فضولي ما أوضحه نائب رئيس الإدارة الدِّينيَّة لمسلمي روسيا ومفتي موسكو رسلان أبياسوف، من أنَّه لا يجوز للمسلمين حقن البوتوكس إلَّا لأسباب طبيَّة؛ نظرًا لاحتوائه على مواد محرَّمة في الإسلام، وفي الحقيقة لم يوضِّح سعادته ما هي هذه المواد المحرَّمة..!! ونظرًا لكثرة اللَّغط حول ذلك، رأيتُ أنْ أكتبَ عن البوتوكس وماهيَّته…
منذ فترة قريبة، لم يكن أحد يتصوَّر أنَّ أخطر السموم المعروفة للبشريَّة يمكن أنْ يتحوَّل إلى دواء، بل وإلى وسيلة جماليَّة تُستخدم في عيادات التجميل حول العالم، هذه هي حكاية البوتوكس، الاسم التجاري لمادة «سم البوتولينيوم» التي تفرزها بكتيريا تُعرف باسم Clostridium botulinum.
المفارقة أنَّ هذه البكتيريا نفسها قد تسبِّب مرضًا خطيرًا يُسمَّى التَّسمُّم الوشيقي عند تناول الأغذية الملوَّثة بها، لكنْ ما إنْ تمكَّن العلماء من ضبط جرعات السمِّ وتنقيته، حتى صار دواءً ذا فوائد طبيَّة كبيرة، إضافة إلى شهرته في إزالة التجاعيد.

آلية البوتوكس بسيطة وذكيَّة في الوقت ذاته. فهو يعمل على منع إفراز مادة الأسيتيل كولين، وهي الناقل العصبي المسؤول عن تحفيز انقباض العضلات. النتيجة: ارتخاء مؤقت للعضلة المستهدَفة، وهذا ما يفسر قدرته على علاج تشنُّجات العضلات، أو تجاعيد الوجه، ويستمر تأثير الحقنة عادة من 3 إلى 6 أشهر فقط، ثمَّ تعود العضلة لنشاطها الطبيعي.
لم يقتصر دور البوتوكس على التجميل فحسبْ، بل أصبح علاجًا طبيًّا لعدد من الحالات المزعجة والمزمنة، منها: علاج التشنُّجات العضليَّة عند الأطفال المصابين بالشَّلل الدِّماغي، تقليل أعراض الحَوَل، وارتعاش الجفون، تخفيف الصداع النصفي المزمن الذي يعاني منه آلاف المرضى، السيطرة على فرط التعرُّق في اليدين، والإبطين، والقدمين، علاج بعض حالات سلس البول الناتج عن فرط نشاط المثانة.
أمَّا في عالم التجميل، فقد خطف البوتوكس الأضواء بجدارة. حيث يُستخدم في: إزالة التجاعيد التعبيريَّة في الجبهة، وحول العينين، وبين الحاجبين، رفع الحاجب لمنح الوجه مظهرًا أكثر شبابًا، تصغير حجم الفك الناتج عن ضخامة عضلاته، تصحيح الابتسامة اللثويَّة بشكل بسيط وسريع.
البوتوكس قصة طبيَّة مدهشة، جمعت بين العلم والجرأة، من سُمٍّ قاتلٍ إلى علاجٍ ينقذ المرضى ويُعيد الشباب لملامح الوجه، لكن تبقى القاعدة الذهبيَّة: «الاستخدام الآمن للبوتوكس لا يتحقَّق إلَّا تحت إشراف طبيب متخصِّص، وبجرعات مدروسة».
المستقبل قد يحمل المزيد من المفاجآت، إذ تجرى أبحاث لاستخدام البوتوكس في علاج أمراض عصبيَّة ومناعيَّة أُخْرى. وهكذا يواصل هذا السُّم العجيب مسيرته في دروب الطب..